ابو جعفر محمد جواد الخراساني
6
هداية الأمة إلى معارف الأئمة
لأنّه غير خبير ، وبفساد الدّعوى غير بصير . فلذلك ترى الطالب القاصر ، يسارع في ابتداء امره إلى تعليم الفلسفة ، اغترارا بهذا الثناء والاطراء . فيحسبها أنّها فضل كبير لا يسعه الجهل بهذا الأمر الخطير ، أو واجب مهمّ لا عذر له في التقصير ؛ فيتعلّم الفنّ من مدّعيه ومعتقديه . فيخوض فيه خوض التّائه في بيداء التّيه ، تقليدا بحسن ظنّه بمن يعلّمه ويربّيه . فيرسخ في قلبه شيئا فشيئا حتّى يتعوّد عليه انسه ، وتركن إليه نفسه وينطبع عليه ذوقه وينقلب إليه شوقه ، فيتدرّب له اطمئنان لا يدخله ريبة ، فيتّخذه دينا يدين به ربّه . [ بدء حدوث الفلسفة في الاسلام ] ولكن هيهات ثمّ هيهات ! ليست الاطراءات والتكبيرات إلّا الدعاوى والتأويلات . ويكفي في كذب الجميع وبطلانها ، أنّ الفلسفة التي سمّوها بالحكمة ، قد حدثت في الاسلام بعد النبي ( صلّى اللّه عليه وآله ) في أثناء القرن الثاني ، وصارت إليهم من « اليونان » ، وقد قال تعالى : لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ « 1 » ، ومثله في آيتين أيضا . فقد كان من وظائف النّبيّ ( صلّى اللّه عليه وآله ) تعليم الحكمة للأمّة . فإن كان ( صلّى اللّه عليه وآله ) علّمهم ، فالحكمة غير هذه الفلسفة الجائية من اليونان ، وإن لم يعلّمهم ، فقد قصّر في الوظيفة ؛ وقد خلت الأمّة عن الحكمة بزمان حتى منّ اللّه عليهم بأهل اليونان . واذن ، لم يكن في بعث النّبيّ ( صلّى اللّه عليه وآله ) امتنان ؛ على أنّ الفهيم البصير ربّما يفهم من قوله تعالى : وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ، انّ ما كان من قبل الإسلام بين الأنام ، ممّا لم يكن من وحي وإلهام ، كلّه ضلال . ومن تكبير « الصوفيّة » فنّهم ، أنّهم سمّوا محصول التّصوف ب « العرفان » ؛ ثمّ بالغوا في وصفه وأطرءوا في شأنه بأسنى شأن ؛ فيغترّ به الجاهل والقاصر والغافل ، فيحسبه عرفانا في الحقيقة ، فيطلبه من أهل الطريقة . إذ العرفان من أكبر المواهب وممّا لا ينبغي أن يرغب عنه راغب ، أو لا يطلبه طالب ، لو لم يكن طلبه بواجب . وهو أيضا كالحكمة ، محض التّسمية الّتي لا واقع لها . بل العرفان ، ليس إلّا محصول الفلسفة أو هو عينها ؛ والفنّ واحد ، والاختلاف في الطريق ، ودعوى أنّ نتيجتها « علم » ونتيجته « شهود » .
--> ( 1 ) . آل عمران 3 : 164 .